الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
98
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والباء للملابسة ، واللام في لِلنَّاسِ للعلة ، أي لأجل الناس . وفي الكلام مضاف مفهوم مما تؤذن به اللام من معنى الفائدة والنفع أي لنفع الناس ، أو مما يؤذن به التفريع في قوله : فَمَنِ اهْتَدى إلخ . وفاء فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ للتفريع وهو تفريع ناشئ من معنى اللام . و ( من ) شرطية ، أي من حصل منه الاهتداء في المستقبل فإن اهتداءه لفائدة نفسه لا غير ، أي ليست لك من اهتدائه فائدة لذاتك لأن فائدة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ( وهي شرفه وأجره ) ثابتة عن التبليغ سواء اهتدى من اهتدى وضل من ضل . وتقدم نظير هذه الآية في قوله : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ آخر سورة يونس [ 108 ] ، وفي قوله : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ في آخر سورة النمل [ 91 ، 92 ] ، ولكن جيء في تينك الآيتين بصيغة قصر الاهتداء على نفس المهتدي وترك ذلك في هذه السورة ، ووجه ذلك أن تينك الآيتين واردتان بالأمر بمخاطبة المشركين فكان المقام فيهما مناسبا لإفادة أن فائدة اهتدائهم لا تعود إلا لأنفسهم ، أي ليست لي منفعة من اهتدائهم ، خلافا لهذه الآية فإنها خطاب موجه من اللّه إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ليس فيها حال من ينزل منزلة المدل باهتدائه . أما قوله : وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها فصيغة القصر فيه لتنزيل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في أسفه على ضلالهم المفضي بهم إلى العذاب منزلة من يعود عليه من ضلالهم ضر ، فخوطب بصيغة القصر ، وهو قصر قلب على خلاف مقتضى الظاهر . ولذلك اتّحدت الآيات الثلاث في الاشتمال على القصر بالنسبة لجانب ضلالهم فإن قوله في سورة النمل [ 92 ] فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ في معنى : فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، أي ليس ضلالكم عليّ فإنما أنا من المنذرين . وهذه نكت من دقائق إعجاز القرآن . وقوله : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ القول فيه كالقول في وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ في سورة يونس [ 108 ] . وجملة و وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ عطف على جملة فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ أي لست مأمورا بإرغامهم على الاهتداء ، فصيغ هذا الخبر في جملة اسمية للدلالة على ثبات حكم هذا النفي . [ 42 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 42 ] اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 )